أحمد بن علي القلقشندي
176
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
القعدة مستقبلا من اللَّه كلّ الخير ، ونصب « جتر » ( 1 ) بني سلجوق على رأسه فشاهد الناس منه صاحب القبّة والسّبع وصاحب القبّة والطَّير ؛ ودخل قيصريّة في بكرة هذا اليوم وكانت دار السلطنة قد فرشت لنزوله ، وتخت بني سلجوق وقد هيّيء لحلوله ؛ وهي دار تزهو ، ومنازل من يتعبّد أو منازه من يلهو ، أنيقة المبتنى ، تحفّ بها بساتين عذبة الجنى ؛ جدارنها بأحسن أصناف القاشانيّ مصفّحة ، وبأجمل نقوشه مصرّحة ؛ فجلس مولانا السلطان في مرتبة الملك في أسعد وقت ، ونال التّخت بحلوله أسعد البخت : وما كان هذا التّخت من حين نصبه لغير المليك الظَّاهر النّدب يصلح مليك على اسم اللَّه ما فتحت له صوارمه البيض المواضي وتفتح أتته وفود الرّوم والكلّ قائل « رأيناك تعفو عن كثير وتصفح » فأوسعهم حلما وجاد لهم ندى وأمسوا على منّ وأمن وأصبحوا ولو أنّهم لم يجنحوا لمنكَّب عن الحقّ والنهج القويم لأفلحوا ولكنّهم أعطوا يدا فوقها يد تصافح كفّا زندها النار يقدح ! ! ( 2 ) وأقبل الناس على مولانا السلطان يهنّؤّونه ، وعلى كفّه الشريف يقبّلونه ( 3 ) ؛ وبعد ذلك حضرت القضاة والفقهاء والعلماء والصّوفيّة وذوو المراتب من أصحاب العمائم على عادة بني سلجوق في كلّ جمعة ، ووقف أمير المحفل وهو كبير المقدار عندهم ، له وسامة وفخامة ، وله أكبر كمّ وأوسع عمامة ، وأخذ في ترتيب المحفل على قدر الأقدار ، وانتصب قائما بين يدي مولانا
--> ( 1 ) الجتر هو الغاشية . وأصل الغاشية السرج أو الغطاء المزركش الذي يوضع على ظهر الفرس فوق البرذعة . وكان سلاطين الأيوبيين ، ومن بعدهم المماليك ، يخرجون في المواكب وبين أيديهم غاشية . وكان يحملها الركابدارية ، يلفتها يمينا وشمالا . ( مصطلحات صبح الأعشى : 254 والصبح : 4 / 7 ، 47 ) . ( 2 ) هذا البيت الأخير ساقط من الروض الزاهر . ( 3 ) في الروض الزاهر « وعلى بساطه يقبلونه » . وبعدها شعرا : تقبّل أفواه الملوك بساطه ويكبر عنها كمّه وبراجمه .